لسنا متعبين… فقط مثقلون

نستيقظ أحياناً بعد نومٍ طويل، ثم نمضي في يومنا وكأننا لم نرتح أصلًا. ليس ذلك التعب المعروف الذي يعالجه النوم أو فنجان قهوة، بل شيء أثقل من ذلك بقليل. شيء فهو لا يظهر بوضوحٍ في الملامح، لكنه يبقى حاضراً حتى في طريقة الكلام، وفي الرغبة المستمرة بالصمت، وفي ذلك الشعور الخفي بأن الإنسان يحمل داخله أكثر مما يستطيع شرحه.

بالمناسبة، ليس ألم، وليس إرهاق عضلي!. هو مجرد ثقل. ولا نعرف مصدره بالضبط. فلا يوجد سبب واضح، ولا حادثة كبيرة يمكن الإشارة إليها. لم نخسر أحداً، ولم نفشل في شيءٍ مصيري، لكن هذا الثقل موجود، كأنه تسلل إلى داخلنا بهدوء، ثم استقر هناك دون استئذان.

ربما لهذا أصبح كثير من الناس يقولون إنهم متعبون، بينما الحقيقة أن التعب لم يعد جسدياً فقط. فنحن لا نركض طوال اليوم، ولا نحمل أوزاناً حقيقية فوق أكتافنا، ومع ذلك نشعر بثقلٍ دائم، كأن عقولنا لم تجلس بهدوءٍ منذ وقتٍ طويل.

هناك ضجيج لا يتوقف. أخبار لا تنتهي، ورسائل متلاحقة، ومقارنات مستمرة، وأفكار تتكدس في الرأس حتى أثناء اللحظات التي يفترض أن تكون هادئة. حتى الراحة نفسها لم تعد راحة كاملة، لأن الإنسان صار يحمل هاتفه معه إلى كل شيء؛ إلى سريره، وإلى عزلته، وحتى إلى لحظاته الخاصة التي كان يمكن أن ينجو فيها قليلاً من العالم.

ومع الوقت، يصبح هذا الثقل شيئاً معتاداً إلى درجة أن الإنسان يتوقف عن ملاحظته. يبتسم، يذهب إلى عمله، يرد على الرسائل، ويعيش يومه بشكلٍ طبيعي، بينما داخله مزدحم على نحوٍ لا يراه أحد. ليس حزيناً بالضرورة، وليس منهاراً، لكنه مثقل بما يكفي ليشعر أن أبسط الأشياء تحتاج منه جهداً أكبر مما ينبغي.

أحياناً لا يكون ما يرهق الإنسان حدثاً كبيراً، بل تراكمات صغيرة جداً. كلمة عابرة بقيت في ذهنه أكثر مما يجب، قلق مؤجل، فكرة لم يجد لها جواباً، خوف خفيف من المستقبل، أو شعور دائم بأنه مطالب بأن يكون أفضل طوال الوقت. هذه الأشياء تبدو بسيطة وهي منفصلة، لكنها حين تجتمع تتحول مع الوقت إلى ثقلٍ كبير لا تراه العين، لكنه يبقى حاضراً في الروح طوال الوقت.

ولعل أكثر ما يرهق الإنسان اليوم أنه نادراً ما يجد لحظة هادئة فعلًا. لحظة لا يطلب منه فيها أن يرد، أو يشرح، أو ينجز، أو يتابع شيئاً جديداً. حتى الصمت أصبح ممتلئاً بالضجيج.

كيف تشرح ثقلاً لا سبب واضحاً له؟

  • أنا متعب، قد تكون كذبة، لأن الجسد ليس متعباً.
  • أنا حزين، قد تكون مبالغة، لأنك لست حزيناً فعلاً.
  • أنا بخير، قد تكون أسهل.
  • فقط… “بخير”.

لهذا يبدو كثير من الناس متعبين دون سببٍ واضح. ليس لأنهم ضعفاء، ولا لأنهم لا يعرفون كيف يعيشون، بل لأن الحياة الحديثة جعلت العقل في حالة استيقاظٍ مستمرة، وكأن الإنسان مطالب طوال الوقت بأن يفكر أكثر، ويقارن أكثر، ويقلق أكثر.

ربما المشكلة ليست فيك وحدك. ربما هذا الزمن أثقل مما نظن.

وربما نحن لا نحتاج دائماً إلى حلولٍ كبيرة بقدر حاجتنا إلى خفةٍ بسيطة تعيد التوازن لأيامنا. وقت أقل مع الضجيج، ومساحة أوسع للهدوء، وأحاديث صادقة، وأيام لا يشعر الإنسان فيها أنه يركض ليلحق بكل شيء.

لسنا متعبين دائماً… فقط مثقلون أكثر مما ينبغي. ومعظم ما نحمله ليس واجباً علينا أصلاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top