مَا الَّذِي يُخِيفُ فِي الْبَسَاطَةِ؟

كان يمشي في زحام الأيام بِخِفَّةٍ من لا يملك ما يخفيه، يحمل في صدره قلباً يشبه صباحات القرى. طفلٌ في هيئة رجل، يوزّع ابتساماته على العابرين كما يوزّع المطر قطراته، بلا حساب ولا انتظار.

كان يمضي بصدرٍ مكشوف، كأن قلبه موضوع على كفّه ليراه الجميع، ظنّاً منه أن الصدق لغة لا تحتاج إلى ترجمة. لم يدرك، وهو يسير بنقائه، أنه يعبر بين بشرٍ أثقلهم الحذر، فاختبأوا خلف طبقاتٍ من الصمت، وتعلّموا أن لا يثقوا بما يأتيهم بلا سبب.

لم يروا في قلبه المفتوح طمأنينة، بل رأوا شيئاً غريباً. كانوا يسألونه بصمت: ماذا يريد؟ ومن أين تأتي هذه البساطة؟ لم يكن في قاموسهم شيء يُعطى بلا غاية، ففسّروا عفويته على أنها حيلة، ونظروا إلى صفائه كأنه فخ وغموض.

حين كان يسلّم، كانت النظرات تلتف حوله ببطء، كأنها تختبره. وكان يشعر، للمرة الأولى، ببرودةٍ لا يعرف مصدرها. برودة من يفتح باب بيته في ليلة شتاء، وهو يظن أن دفء قلبه يكفي.

هناك، بدأ يفهم. أدرك أن هذا العالم لا يقرأ من كتابه، وأن الصدق الذي كان يعتز به لم يعد لغة مفهومة. صار ينظر حوله بدهشة غريب، يتساءل: كيف أصبح النقاء موضع شك؟ وكيف صار الإنسان مطالباً بأن يبرّر طيبته؟

شيئاً فشيئاً، اختار الصمت. لا هروباً، بل حفاظاً. لم ينسحب من الناس، بل انسحب من الصورة التي صنعوها عنه، ليبقى كما يعرف نفسه، لا كما يراه الآخرون.

عاد إلى وحدته بهدوء، واكتشف أنها ليست نقصاً، بل مساحة لا يُساء فيها فهمه. هناك، لم يحتج إلى أن يشرح قلبه، ولا أن يثبت شيئاً. فقط كان كما هو.

فالإنسان، حين يعجز عن تغيير ما حوله، لا يبقى أمامه إلا أن يحمي ما بداخله.

Scroll to Top