حين سمعت كلماتي بصوتٍ آخر

كانت قاعة اختبارات الثانوية العامة تسودها تلك الرغبة الجماعية في الانتهاء، لكنني كنت في عالم آخر مع مادة التعبير. اخترت الموضوع وجلست أكتب بهدوء تام. لم تكن الكتابة بالنسبة لي مجرد رصّ كلمات، بل كنت أهتم بشكل الحرف ورسمه، بحكم حبي القديم للخط. كانت الورقة تمتلئ تدريجياً بنص بنيته على إيقاع واحد، حيث تبدأ كل أسطره بكلمة «كيف لا» وتنتهي بالكلمة ذاتها.

في تلك الأثناء، دخلت القاعة لجنة من إدارة التعليم، كانت تمر على المدارس لمتابعة سير الامتحانات. تحركوا بين الصفوف، وبالصدفة مروا بالقرب من طاولتي. توقفوا فجأة، وبدا أن شكل ورقتي وطريقة تنسيق الخط فيها قد استوقفتهم تماماً. تناول أحدهم الورقة من أمامي، تفحصها وهو يبتسم، ثم أشار بها لزملائه ليروا ما فيها. أثنوا على جمال الخط وجودة النص، والتفت إليّ أحدهم قائلاً: «ما شاء الله تبارك الله، يعني خط جميل ونص أجمل». تناقلوا الورقة فيما بينهم بإعجاب، ثم أعادوها إليّ بكلمات تشجيعية ومضوا.

أكملت الكتابة بتركيز، وعندما انتهيت، سلمت الورقة وغادرت المدرسة. ومع انتهاء الإجازة ودخولي الجامعة، غاب هذا الموقف عن بالي تماماً، كأنه حدث عابر لم يترك خلفه سوى ذكرى طيبة.

بعد مرور أيام قليلة على دخولي الجامعة، وفي وقت كانت تفاصيل اختبار الثانوية قد تلاشت من ذاكرتي تماماً، كنت عائداً في إحدى الليالي من مناسبة عائلية. كانت السيارة تتحرك في شوارع هادئة، فقمت بتشغيل الراديو كسراً للصمت. كان المذياع يبث برنامجاً تقدمه مذيعة، يتخلل حديثها فواصل موسيقية خفيفة.

في البداية، كنت أستمع بذهن شارد ودون انتباه حقيقي لمحتوى الكلام، لكنني بدأت أشعر تدريجياً بأن الكلمات التي تلقيها المذيعة مألوفة لي بشكل يدعو للريبة. رفعت درجة التركيز، ومع استمرارها في القراءة، بدأت الدهشة تتسلل إليّ؛ فكل جملة تنطقها كنت أعرف مسبقاً ما سيليها.

اتضح لي بما لا يدع مجالاً للشك أن ما تقرؤه المذيعة هو ذات النص الذي كتبته في ورقة الاختبار، حرفاً بحرف، وبنفس البناء الذي وُضعت فيه كلمة «كيف لا» في بداية ونهاية كل سطر. بقيت مستمراً في الاستماع وسط حالة من الذهول والاستغراب الشديد، وأنا أتساءل بيني وبين نفسي: كيف شق هذا النص طريقه من قاعة الاختبار إلى أروقة الإذاعة؟ ولماذا يُذاع على مسامع الناس دون أدنى إشارة إلى اسمي أو إلى مصدره؟

في اليوم التالي، لم يبارحني الموقف، فأخبرت أحد أصدقائي بما سمعته في الراديو. أبدى الصديق اهتماماً، وأخبرني أن له قريباً يعمل في الإذاعة، فاتصل به فوراً وشرح له ملابسات الأمر. طلب ذلك القريب رقم هاتفي، واعداً بأنه سيجعل المذيعة نفسها تتواصل معي لتوضيح الحقيقة.

وبالفعل، لم يمر وقت طويل حتى تلقيت اتصالاً منها. تحدثت معها بهدوء، وأخبرتها أن محتوى البرنامج الذي قدمته في تلك الليلة هو نص خاص بي، وسألتها عن كيفية وصوله إليهم، وعن سبب تجاهل ذكر اسمي.

بدت المذيعة مرتبكة من مفاجأة السؤال، لكنها أجابت بكل احترام بأنها مجرد مؤدية تقرأ ما يُقدّم لها، وأنه لا علاقة لها باختيار النصوص أو إعدادها، موضحة أن المسؤولية تقع على عاتق المعد والمخرج. ثم زودتني برقم هاتف المعدّ وهو نفسه المخرج لأتحدث معه مباشرة.

حاولت الاتصال به على مدار عدة أيام، وفي كل مرة كنت أتلقى الرد نفسه من الشخص الذي يجيب على الهاتف: «إنه غير موجود». استمر هذا التهرب طوال محاولاتي، إلى أن جاء يوم كنت فيه متعباً ومصاباً بالإنفلونزا، مما أدى إلى تغير نبرة صوتي بشكل ملحوظ. اتصلت في ذلك اليوم وسألت عنه كالعادة، ولأن صوتي كان مختلفاً ولم يعرفني، أجابني هذه المرة مباشرة: «معك فلان».

بمجرد أن تأكدت أنه هو، عرّفت بنفسي، وساد صمت قصير شعرت فيه بتفاجئه؛ فقد كان في كل المرات السابقة يسأل عن هوية المتصل قبل الرد، وحين يعرف أنه أنا، يدّعي الغياب، لكن نبرة صوتي المتغيرة بسبب الإنفلونزا جعلته هذه المرة يجيب دون حذر.

بدأت أتحدث معه، لكنه تعامل معي بهدوء شديد ونبرة خبيرة، واستطاع امتصاص اندفاعي تماماً. وعرض عليّ بدلاً من ذلك أن أقدم طلباً رسمياً لمدير الإذاعة إذا أردت التعاون معهم مستقبلاً، بحيث يطلبون مني مواضيع معينة وأقوم بكتابتها، ثم يُذاع اسمي عليها.

انتهى الأمر عند ذلك الحد. فكرت في كلامه، لكنني لم أنفذه، ولم أقدم أي طلب، وفضلت عدم تحويل الموقف إلى شكوى أو مطالبة. أُغلق الموضوع، وبقيت تلك اللحظة التي سمعت فيها كلماتي تُقرأ بصوت غيري عالقة في ذاكرتي، كموقف عابر ترك أثراً لا يزال موجوداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top