الخَيْطُ الأَحْمَرُ: ما تَبَقّى مِنِ امْرَأَةٍ رَحَلَتْ

كان المطار مزدحماً كعادته، أصوات متداخلة، نداءات متكررة، وحقائب تُسحب على الأرض بإيقاع متعب، والكل يتحرك بسرعة كأن الوقت يلاحقهم، أو كأنهم يسبقونه، ومع هذا الاندفاع كله، كان هو واقفاً وحده، ثابتاً بطريقة لا تشبه المكان.

رجل في منتصف العمر، بهيئة مرتبة لا تلفت النظر بقدر ما تفرض حضورها، ثوبه ناصع، وشماغه مستقر كأنه لا يعرف الارتباك، ولم يكن فيه ما يدعو للتوقف لولا ذلك الخيط الرفيع الممتد من يده، وفي نهايته بالون أحمر يتأرجح بخفة فوق رؤوس المسافرين.

مشهد بسيط، لكنه لا ينسجم مع صاحبه، رجل بهذا الوقار يمسك بخيط بالون، كأنه لا يعرف أين يضع يده، ولم يكن ينظر إلى البوابات ولا إلى الشاشات، بل إلى ذلك البالون تحديداً، يتابعه بعين ثابتة، كأن فيه شيئاً لا يُعوّض، ولهذا لم يمرّ المشهد دون أن يُلاحظ، فالناس من حوله التفتوا، بعضهم اكتفى بنظرة سريعة، وبعضهم أطال التحديق، شاب التقط صورة على عجل، وامرأة همست لرفيقتها بابتسامة خفيفة، وحتى موظف المطار، حين ناوله التذكرة، لم يُخفِ دهشة عابرة.

ومع كل ذلك، لم يكن الرجل معهم، لم يكن يرى ما يرونه، ولا يسمع ما يُقال عنه، بل كان منشغلاً بشيء آخر، شيء لا يظهر في الصورة، وكأن ما بين يده يخصه وحده.

قبل أسبوع فقط، كان البيت ممتلئاً بالتفاصيل الصغيرة التي تسبق أي حفلة عائلية بسيطة. الكعكة على الطاولة، والشرائط الملوّنة معلّقة بشكل غير متساوٍ، والبالونات موزعة في أنحاء المكان، بعضها مربوط بالكراسي، وبعضها يتمايل قرب السقف.

كانت هي تتحرك بين الزينة بهدوء، وكأنها تعرف مسبقاً أين يجب أن يوضع كل شيء. نفخت البالونات واحدة تلو الأخرى، حتى بقيت الأخيرة.

جلست للحظة قصيرة، ثم أمسكتها ونفخت فيها ببطء. وحين عقدت خيطها، ناولته إياها وقالت له أن يضعها في الزاوية البعيدة قرب النافذة… “حتى تكتمل الزينة.”

بعد أيام، رحلت، ومنذ ذلك الوقت لم يترك الخيط.

لم يكن يرى في البالون مجرد هواء، بل آخر أثر منها، آخر شيء خرج من صدرها وبقي، شيء لا يمكن تعويضه ولا استعادته إن ضاع، لذلك كان يمسكه بحذر، كأن أقل خطأ قد ينهي كل ما تبقى، ولهذا، في المطار، لم يكن يخشى فوات الرحلة، بل كان يخشى شيئاً أبسط بكثير وأقسى، أن يلامس البالون شيئاً حاداً، أو أن ينفلت الخيط من يده، أو أن يحدث ذلك الصوت الصغير الذي لا ينتبه له أحد.

بالنسبة له، لم يكن مجرد صوت، بل كان يتخيل اللحظة بوضوح مزعج، البالون يختفي فجأة، والهواء الذي فيه يتبدد بلا أثر، فلا شيء يمكن الإمساك به، ولا شيء يمكن استرجاعه، فقط فراغ، وكان يعرف أنه لن يستطيع فعل شيء وقتها، لن يستطيع جمع ما تفرق، ولا إيقاف ما انتهى، وهذا ما كان يخيفه.

وحين أُعلن عن رحلته، تحرك أخيراً، تقدم بخطوات محسوبة، يرفع البالون قليلاً ليبقيه بعيداً عن كل ما قد يؤذيه، ناول التذكرة بيد، وتمسك بالخيط بالأخرى، ثم عبر الممر الضيق بين مسافرين متذمرين وحقائب تلامس الجدران، وكان يمشي ببطء، بحذر، كأنه يحمل شيئاً لا يُرى، لكنه قابل لأن يُفقد في أي لحظة.

لم يكن ذلك مجرد بالون، بل كان ما تبقّى.

Scroll to Top