الاستبدال… والاسترجاع

هناك شيء غريب فينا… لا نحب الفراغ.
بمجرد أن يختفي شيء من حياتنا، نسارع لوضع شيء آخر مكانه، كأننا نخاف أن تُترك المساحة وحدها ولو للحظة… وكأن الفراغ سيستغل الفرصة ويجلس معنا ويطلب قهوة.

ينتهي حديث، فنفتح تطبيقاً، نغلق كتاباً، فنبحث عن آخر، ننسى شخصاً، فنملأ الوقت بأشخاص لا يشبهونه… ثم نقنع أنفسنا أنهم مناسبون.

ليست المشكلة في الاستبدال نفسه، بل في سرعته.
نستبدل قبل أن نفهم ماذا خرج منّا، ونمضي قبل أن نلتفت.
أحياناً، لا نريد الشيء الجديد… نحن فقط نهرب من أثر القديم، ونسمّي ذلك اختياراً.

لكن هناك نوعاً آخر، أكثر هدوءاً.
استبدال لا يأتي بدافع الهروب، بل بدافع النضج.
حين تدرك أن بعض الأشياء لم تعد تناسبك، فتتركها دون ضجيج، وتختار غيرها دون استعجال.
لا لأنك ضقت بها، بل لأنك اتّسعت.

وهنا يحدث شيء لطيف:
لا تشعر أنك فقدت، بل كأنك بدّلت مكان الأشياء داخل نفسك فقط.

أما الاسترجاع… فله حكاية مختلفة.

نسترجع أحياناً ما تركناه، لا لأننا نحتاجه، بل لأننا لم نغلق الباب جيداً.
نعود لرسالة قديمة، لصورة، لأغنية ظننا أننا تجاوزناها… فنكتشف أننا لم نتجاوزها، فقط كنا مشغولين.

الذاكرة لا تعمل بنظام الحذف، بل بنظام “الأرشفة المؤقتة”.
تفتح الملف… فيفتحك.

والأمر الطريف، أننا نتعامل مع حياتنا كأنها متجر:
نأخذ، نُجرّب، وإن لم يعجبنا الأمر قلنا ببساطة: “عادي، أرجعه.”

لكن الحياة ليست متجراً.
لا يوجد إيصال.
ولا سياسة استرجاع.

وفي الغالب… إن حاولت الاسترجاع، ستسترجع المشكلة معها مجاناً.

وربما الأغرب…
أنك لا تسترجع الشيء نفسه، بل النسخة التي كانت في رأسك عنه.
ترجّع شعوراً لا علاقة له بالواقع، وتستبدل واقعك الحالي بشيء لم يكن حقيقياً أصلاً.

في النهاية، قد لا تكون المشكلة في الاستبدال، ولا في الاسترجاع… بل في توقيتهما.
أن تستبدل قبل أن تفهم، أو تسترجع بعد أن انتهى كل شيء.

وأحياناً… الأفضل أن تبقى بعض الأشياء كما هي:
مكانها فارغ.

حتى لا تملأه بشيء… ثم تضطر لاحقاً أن “ترجعه” أيضاً…
وتكتشف أن رسوم الشحن على قلبك كانت أغلى من ثمن الشيء نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top